أبي حيان التوحيدي

367

المقابسات

قيل له : فما المروّة ، فإنها تتبع الفتوة ؟ فقال : هي القيام بخواص ما الانسان يكون عليه محمودا وبه ممدوحا ، وهي أعنى المروّة أشد لصوقا بباطن الانسان ، وأما الفتوة فهي أشد ظهورا من الانسان ، فكأن الأولى أخص ، والثانية أعم ، أي لا فتوة لمن لا مروّة له ، وقد يكون ذو مروة ولا فتوة له ، فاما إذا اجتمعا فقد أخذ الحبل بطرفيه ، وملك الامر بحنويه قيل له : إن الحسن بن وهب « 1 » قال : غزل الصداقة أرق من غزل العلاقة . فما وجه هذا القول ؟ قال : صدق ، هذه نفثة فاضل قد أحس كمال الصداقة ، لأنها مؤثرة بالعقل ومجراة على أحكامه ومحمولة على رسومه ، فأما العلاقة فهي من قبيل الحس ، والطبيعة عليها أغلب وآثارها فيها أبين . وفي الجملة ينبغي أن يعلم أن ذا الطبيعة مشاكل لذي الطبيعة ، وكذلك ذو النفس مشاكل لذي النفس ، وكذلك ذو العقل مشاكل لذي العقل ، وهذه التفرقة لم تقع من جهة الطبيعة الأولى لأنها واحدة سارية في الجميع ، ولكنها وقعت من جهة المواد والقوابل بالزائد والناقص ، وهكذا الحال في النفس والعقل ، لأن شأنهما أعلى ومحلهما أسنى وأسمى ، وذلك أن الطبيعة إنما تنهى الشئ اليسير مما تجده وتحصله من ناحية النفس والعقل ، والطبيعة نفس في الأصل ، والنفس عقل في الأول ، والعقل هو المبدأ ، وكل هذا واحد إذا لحظت القوة القائمة والجود المنبجس ، والواحد كل إذا لحظ الجود المحض ومتى

--> ( 1 ) هو الحسن بن وهب بن سعيد ، أبو علي الكاتب العالم الأديب الشاعر . وهو من ذلك البيت الذي تسلسل في الكتابة للأمراء والخلفاء من أمويين وعباسيين ، وقد ظلت الوزارة فيه أيام بنى العباس زمنا يتوارثونها كابرا عن كابر . وكان الحسن هذا يكتب أولا لمحمد بن عبد الملك الزيات ، ثم ترقت به الحال إلى أن تولى ديوان الرسائل ببغداد ثم تقلد البريد بالشام في عهد المتوكل على اللّه . وله شعر جيد . وكان مولده ببغداد سنة 186 ه وتوفى بالشام في حدود سنة 247 ه .